أعمال يثقل بها الميزان يوم القيامة
استدامة الطاعات
استدامة الطاعات
التصنيف الموضوعي :مناسبات وشعائر

 

استدامة الطاعات

أما بعد: 
 
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حقّ التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر:18]، لا تغرّنّكم الآمال الطِّوال، ولا تنسوا قربَ الآجال، فكم من مؤمِّلٍ أملاً لا يدركه، وكم من مصبحٍ في يومٍ لا يدرك غروب شمسه، ومُمسٍ في ليلٍ لا يدرك الصباح: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون:9-11].
 
أيها المسلمون، حُجّاجَ بيت الله الحرام: الحجُّ مدرسَةٌ للحياة، مِنه يستمِدّ المسلِم منهجَ حياته، موفَّقًا للهُدى، ثابتًا على الصراطِ المستقيم، قد تعلّم الحاجُّ من نسكِه كيف يسير على شرعِ الله في انضباطٍ تامّ في الأوقاتِ والمواقيت والأزمانِ والأماكِن، شعائرُ محدّدةٌ مرتبِطة بمشاعرَ محدودة على هيئةٍ مشروعة، فيعود المسلم في سَفح دنياه وغَده خيرًا من أمسِه، سائرًا على هديِ خالقه، ممتثلاً قولَ ربِّه: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر:99]؛ فيعظم حرصه على اتِّباع السنة، والتزامُه نورَ الوحيَين، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "تركتُ فيكم ما إن تمّسكتم به لن تضلّوا: كتاب اللهِ وسنّتي".
 
وكما أنَّ الشهواتِ تهدم الديانةَ فإنَّ الأهواء لتتخطَّف العقول، ومن أراد النجاةَ فليلزَم صراطَ الله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [الأنعام:153].
 
ويندرِج تحتَ هذا الأصلِ الاقتداءُ بسلفِ الأمّة الصالحين الذين صحِبوا النبيَّ –صلى الله عليه وسلم-، وشهِدوا تنَزُّلَ الوحي، اتِّباعٌ بلا تزيُّد في الدين، ولا تنقّصٍ في الشريعة، وقد روى الإمام أحمد وأبو داودَ والترمذيّ بسند صحيح أنّ النبيَّ –صلى الله عليه وسلم- قال: "عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجِذ، وإيّاكم ومحدثاتِ الأمور؛ فإنّ كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
 
ومنه تعلمون -يا رعاكم الله- حاجتَنا في الثبات على دين الله إلى لزومِ الكتاب والسنة واجتنابِ البدع والمحدثات.
 
وفي خَتم الحج بالوصيّة بذكر الله في قولِه -عزّ وجلّ-: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) [البقرة:200]، فيه إشارة إلى استدامة الطاعة والثبات عليها؛ إذِ الذكر من وسائلِ الثبات كما في قولِ الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال:45]، ومن كان ذكر الله في قلبه دائمًا فلن يفتُر لسانُه عن اللَّهَج بذكرِه، ولن تقترِفَ جوارحه منكرًا، ولن يكسَل عن طاعةٍ وعبادَة.
 
أيّها المسلمون: إنَّ استدامةَ الطاعات من عواملِ الثبات، وقد قال الحقّ سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) [النساء:66-68]. فهذه أربعةُ أمور تنتُج عن الطاعةِ: الخيريّة والثباتُ والأجر والهِداية؛ أمّا الثواب والجزاءُ فاسمع قولَ الله -تبارك وتعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) [فصلت:30-32].
 
عبادَ الله: إنَّ مَن حجَّ واعتمر فقد ازدادَ مِن الله قربًا، وتقرَّب إليه زُلفى، والمقرَّبون هم أولى الناسِ بالتأدُّب مع الله -جلّ في علاه-، يحدُوهم الرجاءُ في الازديادِ من الطاعة، ويمنَعهم الحياءُ من التلطُّخ بشيءٍ من المعاصي بعد أن أكرَم الله وِفادَتهم وغفَر ذنوبهم وأتمَّ مناسكَهم.
 
وإنَّ الإيمانَ ليَزيد بالطاعةِ وينمو ويعظُم: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) [مريم:76]، وفي سورة الأنفال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [الأنفال:2]. فانظر إلى اقترانِ الذِّكر بالعملِ والترقّي في درجاتِ الإيمان!! ومَن مَنَّ لله عليه بطاعة وقربةٍ فليزدَد من الله قُربى حتّى يكونَ منتهاه الجنّة، وإنَّ الفوزَ والفلاح مرتَبِطٌ بتحقُّق شروطِه والمداومة عليها.
 
بسم الله الرحمن الرحيم: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [المؤمنون:1-11].
 
هذه أوصاف المؤمنين؛ محافظةٌ على الصلواتِ في أوقاتها، وعنايةٌ بخشوعِها وخضوعها، وإتمامُ أركانِها وواجباتِها، والاطمِئنان فيها، فالصّلاة عِماد الدّين، ولا حظَّ في الإسلامِ لمن ضيَّع الصلاةَ.
 
أمّا الزكاةُ فهي قرينةُ الصلاة، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ.
 
كما أنَّ مِن علاماتِ الإيمان الابتعادَ عن اللّغو، وهو كلُّ مَا لا نفعَ فيه، فلا يسمَع إلاّ المباحَ، ولا يَقول إلاّ ما يرضِي الله، ولا ينظر إلاّ لما أحلَّه، ولا يفعَل إلاّ ما أباحَه. أمّا العِفّة والعفافُ والسِّتر والاحتشام فعُنوان صلاحِ المؤمن: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ).
 
روى الترمذيّ والنسائيّ والحاكم أنّ النبيَّ –صلى الله عليه وسلم- قال: "أنزِلَ عليَّ عشرُ آيات، من أقامَهنّ دخل الجنة"، ثم قرأ: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حتى ختم عشرَ آيات.
 
هذه بعضُ الوصايَا -أيّها المسلمون-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة:71]. اللهم وفّقنا للصالحات، وثبِّتنا على الحقِّ والهدى حتى نلقاك. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

 
الخطبة الثانية:
 
الحمد لله ذي الطول الإنعام، والفضلِ والإحسان، أنعم علينا ببعثة سيِّد الأنام، وجعلنا من أهل الإسلام، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله وخليله ومصطفاه، هدانا الله به من الضلالة، وبصّرنا به من العمى، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ الأمّة، وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
أيّها المسلمون: إنَّ مِن المتقرِّر أنَّ رسولَ الله محمّدًا خاتم الأنبياءِ وأفضلُ الرسل وأزكَى البشر، وأنَّ حرمتَه أعظم الحرمات، وأنَّ محبّتَه دينٌ وانتقاصَه كفر، ومن تعرّض له بسوءٍ فدمُه هَدر: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) [الأحزاب:57]. ومِن أعظم الأذَى الاستهزاءُ به والسّخرِيّة منه وتنقُّصُه بأيِّ أسلوبٍ وأيّ طريقَة.
 
ومع أنَّ مِن أركان الإيمان لدينا -نحن المسلمين- الإيمان بالرّسُل جميعًا المقتضِي محبّتَهم وتوقيرَهم واحترامهم، إلاّ أن حِقدَ الكافرين وضلال الضالين يأبى إلا أن ينفثَ سمومَه ما بين فينةٍ وأخرى عبرَ وسائلَ إعلامية في بلادٍ تدَّعي العدالةَ واحترام الأديان وحرّيّةَ التّديّن: (قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [آل عمران:118].
 
لم يوقِّروا ربَّ العالمين حين جعَلوا له الصاحبةَ والولَد، ولم يقدُروا الله حقَّ قدرِه حين نسبوا له الخطأَ والندم، وألصَقوا بأنبيائِه التُّهَم، وها هم يتطاوَلون على جنابِ المصطفى بطريقةٍ تؤجِّج الفتَنَ، وتزرَع الكراهيةَ، وتنمّي الأحقادَ، وتذكي العداءَ بين الشعوب، وتبرّر لردودِ أفعالٍ تجني منها الأمم القَلَق والعذابَ.
 
ولئن لم يأخُذ عقلاؤهم على أيدي سفهائِهم، ولئن لم يحترِموا مشاعر المسلمين ويكفُّوا ألسنَتَهم وأقلامهم، فإنَّ العواقبَ وخيمة، والعالَم اليوم ليس بحاجة لمزيدِ احتقان وتوتّر، وجنابُ رسول الله فوق كلّ جَناب، وكرامته فوق كلّ كرامة، وحرمتُه فوق حرمةِ الناس، وما من مسلم إلا ويفدِيه بكلّ ما لديه وبروحِه التي بين جنبيه. وعلى وسائل الإعلام وأربابِ الفكر والأقلام من المسلِمين أن يقوموا بواجِبِهم تجاه هذه القضية.
 
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد...